واصف جوهرية

219

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

وهكذا صدرت الإرادة السنية فنقلت من غرفتي إلى الغرفة الأولى في الطابق الأرضي من العمارة التي يسكنها روشن بك وعائلته فأصبح المومى إليه ينام في الغرفة العليا تماما فوق غرفتي فيحضر من القدس عند المساء ولدى وصوله مساء يزور غرفة الخلان فيشربوا ما تيسر من الكاسات ويستمعون إلى عزفي وغنائي وكثيرا ما كانوا يتناولون العشاء في الغرفة إلى منتصف الليل . وإني لغاية يومنا هذا أذكر هاتين الغرفتين من فندق المنظر الجميل كلما دخلته ، وكم قضينا فيهما من ليالي أنس وسمر مدة الحرب مع رجالات ذلك العصر الحاكمين . الكاس على شرف جمال باشا إني أذكر هذا الحادث الطريف الذي وقع ما بين حسين أفندي وروشن بك أبين للقارئ مدى المحبة وعظمها بين المذكورين : كانت جلسة أنس في الغرفة وبحضور إخوان الصفا ، وكان من بين الحضور المرحوم حنا الشمالي العم أبو نمر خفيف الروح والمدمن على الخمر مما زاد السهرة رونقا وظرفا من أحاديثه الفكهة النادرة وبقينا لغاية التاسعة والنصف بمرح وسرور وطرب ، وإذ وصل روشن بك من القدس وعندما نزل من سيارته وحاول الدخول ظهر لنا أنه على جانب عظيم من السكر فكان يتمايل على الجهتين ولم يقبل أحدا من حاشيته لمساعدته في السير فدخل وجلس على الكرسي ولم يستطع أن يفسر ما كان يرغب تفسيره باللغة التركية ، وقد قدم حسين أفندي كأسا له فرفض واعتذر وقد نظر إليه حسين أفندي نظرة تهكم بمعنى ان روشن بك ذلك البطل يظهر عليه السكر . وبعد استراحة قليلة إعتذر روشن بك فتركنا وصعد للراحة وقد سمعنا قدميه داخل غرفته لأن الأرض من الخشب . كان من المفروض علينا أن نتوقف عن العزف والغناء مجاملة لروشن بك ولراحته وهو في هذه الصورة التعبة ولكن أبى حسين أفندي فأمرني بزيادة الغناء وشجع الحضور على التصفيق بأعلى صوت ممكن مما جعل روشن بك بأن يضرب بالقبقاب على أرض الغرفة بمعنى أسكتوا ، ولكن زاد حسين أفندي في لعبته الأمر الذي استفز روشن بك وأقلع مضاجعه وهكذا بعد قليل وجدنا روشن بك بلباس النوم الثوب الأبيض وفي قدمه القبقاب بيننا فجلس فبهت الحاضرون ووقفوا جميعهم إجلالا واحتراما له وسكتنا وكان على رأسنا الطير مسك روشن بك قنينة العرق وصب كأسا كبيرا من كاسات شرب الماء وقدمه إلى حسين أفندي أرجو شرب كأس روشن بك فلم يستطع رفضه وهو الذي عطف عليه وحماه من حقد جمال باشا السفاح ، فأخذ الكاس وشربه دفعة واحدة . ثم أعاد روشن بك وملأ ذات الكاس وقدمه إلى حسين أفندي وقال " حسين بك إشرب هذا الكاس على اسم وشرف جمال باشا . "